07/02/2020

سلسلة تاريخ كنائس بلاد مابين النهرين

نتابع معكم اليوم الجزء الأول من سلسلة تاريخ كنائس بلاد مابين النهرين الذي بدأنا به في المقال السابق والذي تحدثنا فيه عن نشأة المسيحية وانتشارها في العالم

– وفي بلادِ ما بينَ النهريْن، انتشرتِ المَسيحيَّة هناكَ للأسبابِ نفسِهَا إنما بشكل مغاير. فقدْ كانتْ أنطاكيَّة وبلادُ الرَّافديْن تقعان حينهَا تحتَ الإحتلال والإستِعمار الرُّوماني، فضلاً عنْ حياةِ العبوديَّةِ التي كانتْ تعيشُهَا شُعُوبُ المِنطقة في أرض آبائِهَا وأجدادِهَا على إمتدادِ سِتِّمِئةِ عام وتحتَ رحمةِ شعوبٍ وقوَّاتٍ متعاقبَة. وعقبَ مئاتِ السنينَ منْ توالي حكَّام أجانِبٍ على قيادةِ المِنطقة، كانَ هؤلاءِ قدْ أنشأوا نظامَ العبوديَّةِ في البلاد.

– لقدْ فقدتْ شعوبُ بلادِ ما بينَ النهريْن ثِقتهَا بالآلهةِ التي كانتْ تتبَعُهَا وتبدَّدَ الخوفُ تجاهَهَا لأنَّ تلكَ الآلهة لمْ تنقذهَا منْ براثِن الشُّرور والأوضاع الفاسدَة، بلْ إنَّ الآلهة القديمَة التي كانتْ شعوبُ المِنطقةِ والشَّرق الأوسَط تؤمنُ بأنها تحمي المُدُنَ والمعابد وتنجيَ البشر وتهبُ البركات قدْ تبخرتْ تماماً منْ ذهنيَّةِ وإيمان المجتمَع بهَا.

– إنَّ الشَّعبَ (الآشوري الآرامي الكلداني) الذي عاشَ أيضاً تحتَ وطأةِ الظُّلم والإستبداد، كانَ أحَدَ الشُّعوبِ التي تبدَّدَ إيمانهَا بالآلهةِ القديمة أمثال (الإله ماردوك الجبَّار، الإله بعل هدَّاد، الإله آشور) وغيرهِم منَ الآلهةِ المُفترَض أنها قادرَة على إعانتِهم بهذا الخصوص. لذا فإنَّ الشَّعبَ كانَ ينتظرُ بفارغ الصَّبر سراجاً ينيرُ له دروبَ الخلاص. وهذا ما يفسرُ سرعَة انتشار المسيحيَّةِ وتعاليمِهَا الجَّديدَةِ في بلادِ ما بينَ النهريْن على إعتبارهَا مَنفذ للخلاص.

– لقدْ جاءَتْ عقيدَة المسيح وفلسَفتُه الخلاصيَّة بالتوافق معَ إرادَةِ الشَّعب، لذلكَ فإنَّ قسماً كبيراً منَ الشَّعبِ (الآشوري، الآرامي، الكلداني) كانَ توحَّدَ على أساس الإيمان بالمسيح وأصبحَ جسداً واحداً، وغدا بذلكَ أوَّلَ الشُّعُوبِ التي اعتنقتِ المَسيحيَّة وتبعَتِ المخلص.

– بعدَ ولادةِ المسيحيَّةِ ونشأتِهَا، دُعِيَ الشَّعبُ (الآشوري، الآرامي، الكلداني) بإسمِهِ الجَّديد (سوريويو أو سورويو). وبهذا الإطار ولأنَّ الشَّعبَ السُّرياني كانَ ذا وطن ولغةٍ وثقافةٍ واحدَة، فقدِ اعتنقَ أيضاً ديانة سماويَّة واحدَة.

– بما أنَّ أسُسَ المسيحيَّةِ كانتْ تضمُّ كثيراً منْ عناصرَ وخصائصَ الثقافةِ في بلادِ ما بينَ النهريْن، فقدْ أضحَتْ سبباً في سرعةِ انتشار الأفكار الإنقلابيَّةِ والرُّؤى الثورويَّةِ التي كانتْ تحمِلهَا المَسيحيَّة في تلكَ البلاد. إنَّ شعوبَ المِنطقة لم تقتبل المسيحيَّة ديناً وحَسْب، وإنما وجدوا فيها عقيدة ستُطيحُ بنظام العبوديَّةِ لتدفعَ بدلاً عنه قيمَ ومفاهيمَ (العدالة، المساواة، الحريَّة، السَّلام، الوفاء، والحب)، وتسيرُ بالناس إلى طريق الخلاص الرُّوحي.

– وبالرَّغم منْ هذا كلِّهِ، فإنَّ الرَّجاءَ بحياةٍ حرَّةٍ كريمَة، والتوقَ إلى مناهضةِ الحكَّام والطُّغاةِ واستعادةِ الحريَّة، والإلتزامَ المشتركَ في تشكيل قيادةٍ تخضعُ لإرادةِ الشَّعبِ وحدِهِ، عمِلوا على انتشار المَسيحيَّةِ في بلادِ ما بينَ النهريْن بسرعةٍ أكبَر منْ المناطِقَ الأخرَى التي انتشرَتْ فيهَا.

– وفي الوقتِ الذي وصَلَ الأمرُ بسكَّان بلادِ ما بينَ النهريْن إلى أوضاع رَديئةٍ جعلتْ منهُم عبيداً تحتَ سيطرةِ الحكَّام وسطوتِهم لقرون وسنواتٍ طويلة، وبينم كانوا مُرغمينَ على العمَل في وطنِهم خدمَة للغرباء بعدَ أنْ تمَّ تفريغهُم منَ السُّلطتيْن السياسيَّةِ والإقتصاديَّة، فمِنَ الطَّبيعي أنْ يتقبَّلوا التعليمَ والإيمانَ والمبادىءَ التي تعتبرُ العبوديَّة والإعتداءَ وسلبَ حقوق الآخرين خطيئة بعينِهَا.

– إنَّ فكرَة الخلاص التي كانَ ينادي بها المسيح، نظرَ إليهَا بعضُ المضطهدينَ والمَسحوقين ممَّن يبحثونَ عنْ طريق الخلاص كقوَّةٍ إلهيَّة. وشرعوا في خدمةِ هذا السُّلطان ببذلِهم النضالَ والكفاح. إنَّ الرسَالة الإلهيَّة التي أتى بها المَسيحُ والمتمثلة بالعدالةِ والمسَاواةِ والحريَّةِ والسَّلام والحب، وبالنظر لكونِهَا عناصرَ وكلماتٍ لا يمكِنُ إدراكُهَا ونقضُهَا، فقدْ كانَ منَ العَسير أيضاً إبطالهَا. ولمْ يكُن الأمرُ كذلكَ وحسب، بل كانَ منَ السَّهل قمعُ وقتلُ الناس الذينَ قبلوا وآمنوا ودافعوا عنْ هذهِ التعاليم والأفكار الجَّديدَة. نعم لمْ يكنْ مستطاعاً نقضُ فلسفةِ المسيح وأفكارهِ التي كانَ ينادي بهَا ممَّا جعله متفرداً عنْ غيرهِ منَ الفلاسفةِ والأنبياءِ والحكماء الذينَ تعاقبوا على الأمم والشُّعُوب.

– لمْ يستطع الحكَّامُ المستبدُّونَ قمعَ تلكَ التعاليم الرُّوحانيَّةِ السَّاميَة والنيلَ منها، بلْ وجدوا أنْ لا خيارَ أمامَهُم إلاَّ الإقرارُ بها والعمَلُ على تأسيس نظام جديدٍ يتماشى معَ أطماعِهم الإستعماريَّة. وبما أنَّ المسيحيَّة كانتْ تنادي بالإصلاحاتِ وترفضُ كلَّ أشكال التعسُّفِ والإستبدادِ والجُّور واللاَّ مساواة، ما جعلهَا حُجَّة وأداة بيدِ أولئكَ الحكَّام لتنفيذِ مآربهم وتمرير مخطَّطاتِهم الإستعماريَّةِ سواءً كانَ بالظُّلم والإجحافِ تارَة، أو بإرتكابِ المجازر والإباداتِ الجَّماعيَّةِ تارَة أخرَى.

– لقدْ رحَّبَتْ بلادُ ما بينَ النهريْن بالعقيدةِ المسيحيَّةِ الجَّديدة بإعتبارها سبيلاً للخلاص منْ براثِن الإستعمار، ولكنهَا بعدَ أنْ خضعتْ للمراقبةِ تحتَ أنظار روما وبيزنطة، تسبَّبتْ عندئذٍ بحدوثِ عمليَّاتِ القمْع والإباداتِ العرقيَّة. ويمكِننا أنْ نستشهدَ بالشَّعبِ السُّرياني الذي قدَّمَ الملايينَ على مَذبَح إيمانِهِ المسيحيِّ كأحدِ الأمثلةِ للسياساتِ التي كانتْ تنتهجُهَا روما وبيزنطة تجاهَ المَسيحيين.

‫شاهد أيضًا‬

فريق يوناني يكتشف آثار هامة خلال الحملة التنقيبية في أربيل

اختُتمت الدورة التنقيبية لجامعة اثينا اليونانية في أربيل، خلال حفلٍ أُقيم يوم الاحد في قلع…