12/02/2020

حب الوطـن

أعزائي القراء سنعرض لكم اليوم مقالة بعنوان "حب الوطن" للكاتب أبو تغلات

جمال المرء عقله وجمال العقل محاكاة الفرد لما يدور حوله و قراءته ورسم اتجاهاته والقدرة على توجيهه لما يخدم الإنسان في إنسانيته وصون كرامته وممارسة حريته بعيداً عن الظلم والقمع والاستبداد وأجمل ما في العقل هو حب الإنسان لوطنه والتماهي فيه والتشبث بجذوره والعمل على حمايته والحفاظ عليه حراً.لأن حرية الوطن هي من حرية أبنائه وعندما تصادر حرية الأفراد وتهدد كرامتهم يكون الوطن مهدداً و معرضاً للغزو والاحتلال وأرضه مستباحة. فمن لا كرامه له لا وطن له ،  و هذا هو حال ندى الحرة الآرامية السريانية السورية التي تتحسس مستقبل وطنها،وتشعر بتداعيات المخاض الذي يعيشه . فانتفضت على نفسها وأعادت بذاكرتها صفحات جميلة من وطنها عبر التاريخ ،

فأجدادها السريان السوريون هم من استنبط  لغة الحوار والتواصل بين البشر، وإيجاد الأرضية التي تدفع الآخرين لقبول الحوار ونتائجه وقد وصل الأمر بالخليفة العباسي هارون الرشيد إلى أن يقيم حواراً مباشراً بين رجال يدينون بالمسيحية وبين أمثالهم من المسلمين

وبحضوره شخصياً.إنني أقول للحرة الآرامية السريانية إن الإنسان يحرم من أشخاص كثيرين

 وأشياء عزيزة في حياته يموت الأحباء وتضعف صلته بالأصدقاء اللذين خيّل إليه أنه يستحيل العيش بدونهم كما أن الأمراض والمجاعات والحروب وأهوالها قد تنهك بحدة السير الطبيعي الهادئ لحياة الإنسان لكن الإنسان يعرف أن المصائب جميعها إذا وقعت فإنه يحتفظ بأقدس ما لديه في الحياة وأعني بذلك الوطن أرض أجداده وأسلافه التي ولد عليها ونطق أول كلمة في حياته ( ماما ) .

وليس صدفة أن لفظتي الوطن والأم متلاصقتان لدى كافة سكان الأرض. والشعوب التي ضحت

وقدمت رجالها قرابين في سبيل الوطن وحريته يفهمون جيداً مشاعر وأحاسيس أي إنسان أينما كان وطنه سواء كان ذلك في (لا بلاندا) المغطاة بالثلوج أو في غابات الأمازون الكثيفة أو وديان القوقاز أو في السهول الرملية في الأرض العربية.

إن الحب الأصيل تجاه ارض الوطن يكون دائماً مدعاة لاحترام هؤلاء الذين يجلون ويقدرون وطنهم ،كما أن الأحاسيس الخاصة المستعرة تجاه ارض الوطن هي في الواقع سمه من سمات الإنسان الصادق الفكر والإحساس والأخطر في حياة الشعوب هي أن تتحول السيادة في أوطانهم للمحتلين الذين لا يقيمون ولا يقدسون شيئاً في الحياة وهذا ما شاهدناه و نشاهده من احتلال الأمريكيين للعراق والبطش بأهله.ولا أصدق ما جاء على لسان القائد الأشوري بطرس أغا إبان الحرب العالمية الأولى قوله 🙁 ليس عيباً أن يدخل العدو أرض الوطن ولكن  العيب أن يبقى فيه ).

القائد الأشوري أثخن الجيوش التركية الجراح في معارك طاحنه وأسر عشرات الضباط ومئات الجنود لمنعهم من دخول هكاري ( جبال آشور ) .

ولم يستسلم على رغم من حجم قوات الأعداء و قدم الآشوريون مئات الآلاف من الشهداء في سبيل وطنهم و لكن حجم المواجهة كانت اكبر من قدرتهم على صدّ الأعداء بفعل دسائس الإنكليز ضد الآشوريين وتسببهم في اغتيال القائد الروحي ( المار بنيامين شمعون) الذي لم يثق لحظة واحدة في وعود الإنكليز إلى جانب نصائح الألمان للأتراك بقتل الأقليات المسيحية و بإشراف منهم لبناء دولة تركية القومية إلى جانب شراء ذمم المرتزقة من الأكراد و تآمر الفرنسيين و تخاذل الروس مما أضطرهم للانسحاب إلى مواقع أكثر قدرة على المواجهة وخسروا بذلك موطنهم الذي حافظوا عليه ألاف السنين والحرة التي عاشت وسط الناطقين بالسريانية وما سمعته من ظلم واضطهاد لحق بأبناء قومها خلال مراحل متعددة من التاريخ جاشت مشاعرها لما جرى لأجدادها الذين فرضوا لغتهم الآرامية السريانية في كل مكان وطأته أقدامهم وأصبحت لغة الإدارة والتجارة في معظم مدن الشرق الأوسط من مصر إلى وادي السن،و يقول الباحث (محمد عبد الحميد ) في كتابه إسهام السريان في الحضارة العربية قوله 🙁 إن أهل الهند اقتبسوا كتابتهم المسماة ( خار وشتي ) من اللغة الآرامية السريانية.

والمعروف عن الآراميين السريان أنهم شيدوا الجامعات في الرّها وإنطاكيا وحران و قنشرين وغيرها ونشروا العلم والمعرفة في القرون الوسطى عبر تشريع بعض القوانين الفائقة في التدبير حتى وصل بأساطين المؤرخين أن يطلقوا على الأمة السريانية السورية ( أميرة الثقافة) و(أم الحضارة ) فلا عجب أن نجد الحرة تحارب الهجرة البغيضة لأبناء قومها إلى خارج الوطن أينما وجدت متمسكة به و تتماهى بحبه و الدفاع عنه، وهذه السمات لا تقارن في هجرة السريان نحو الخارج وبين التصاقها بأرض الوطن.لأنها بالتأكيد تدرك مدى خطورة الانفصال عن الوطن وما يسببه من ذل ومهانة وهذا ما عبّر عنه القائد الروحي الأشوري (مار بنيامين شمعون)

 عندما قرر الانسحاب من هكاري ( جبال آشور ) ووقف على رابية و نظر إلى قريته المقدّسة (قوجانس) قائلاً : ( متى سأشرب من مياهك يا قوجانس مرة أخرى ) .

لأنه كان يشعر بالمرارة لخطورة ما قد يعود هذا القرار على أمته وقومه وقد مضى عليه قرن ولم يعد.فكرامة الوطن من كرامة أبنائه هذا ما أجج مشاعر الجنرال بطرس أغا قوله: (لا ابكي على أمة فقدتها أو معركة خسرتها و لكنني باكٍ على مستقبل أجيالنا القادمة ) .

يبدوا أنه رسم في مخيلته ما يحدث اليوم لأبناء قومه من اضطهاد وتشريد في بلاد الرافدين.

والحرة أيضاً تدرك المهانة واستلاب الحرية و هدر الكرامة خارج الوطن وهي التي قامت بعدة زيارات خارج القطر وعادت وهي أكثر التصاقا بالوطن والأرض.عاش الوطن حراً مستقلاً

 وعاشت الحرة مثلاً يحتذى به بحب الوطن والدفاع عنه.

 

                                                                                                             أبــو تغــــلات      

     

‫شاهد أيضًا‬

في اليوم العالمي للغة الأم.. اللغة السريانية حية لا تموت

في الحادي والعشرين من شباط من كل عام، تحتفي منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة &#…