17/02/2020

تاريخ كنائس بلاد مابين النهرين (ختام الجزء الثاني)

طابت أوقاتكم بكل خير، في المقالة السابقة تحدثنا عن الاضطهادات التي مارسها الرومان، واليوم ننهي الجزء الثاني من سلسلة تاريخ كنائس بلاد مابين النهرين .

وبالرَّغم منْ شدَّةِ وشراسةِ الإضطهاداتِ التي مارسَها أباطرَة رومَا ضدَّ المَسيحيين، إلاَّ أنهُم لمْ يستطيعوا تقويضَ المسيحيَّةِ والحَدَّ منْ صمودِهَا واتساعِهَا. وقدْ أدركوا أخيراً أنَّ خيارَ القتل وإستباحَة الأرواح لنْ يمكِنهُم بطبيعةِ الأحوال منْ سحق المسيحيَّةِ والقضاءِ عليهَا، لذا فقدْ رأوا أنه منَ الأفضل إرضَاخُ هذا الدين لرقابتِهم بعدَ القبُول بهِ لكي يتسنى لهُم مواصلة مشاريعِهم الإستعماريَّةِ وبَسْط نفوذِهِم وسلطانِهم.
– وعلى أثر صدور فرَمان (ميلانو) سنة ثلاثِمِئةٍ وثلاثَ عشْرَة، بدأتِ المسيحيَّة تنمو وتنشَط وسَط أجواءٍ لا تُعكرُ صفوَهَا حمَلاتُ الإبادةِ والإضطهاد. ولكنْ ظهرَتْ حينهَا موجَة منَ المشاحناتِ والنزاعاتِ حولَ العقائدِ اللاَّهوتيَّةِ والتي كانَ أحَدُ أسبابهَا نتيجَة التدَخل والتحرُّش المَدفوع منْ قبَل الأباطرةِ والحكَّام الرُّومان. إنَّ المسيحيَّة التي اعتُنِقتْ قياساً معَ معتقداتِ ومفاهيمَ كلِّ شعبٍ منَ الشُّعُوب، وازدهرتْ بمَا يتواءَمُ معَ مستوى خصائص ثقافاتِهم، لم تستطع المثابرَة على هذا التقدُّم والنماء بفِعل تدخل الرُّومان. فقدْ كانتْ إمبراطوريَّة رومَا تحاولُ بناءَ نموذج دينيٍّ مركَّبٍ على أساس طقس وتفسير لاهوتيٍّ واحِدٍ بينَ جميع الشُّعوبِ والأقاليم التي تخضَعُ لسيطرتِهَا، ممَّا أدَّى إلى إنبثاق مفاهيمَ فلسفيَّةٍ وتفاسيرَ مختلفةٍ تبلورتْ في العديدِ منَ المذاهبِ وتفرَّعتْ في النهايةِ إلى أشكال متنوعةٍ منَ الكنائس والتيَّاراتِ الدينيَّة.
– لقدْ بدأتِ الإمبراطوريَّة الرُّومانيَّة تتنبَّه إلى أنَّ المسيحيَّة شرعتْ تشهرُ عِداءَهَا لنفسِهَا بسببِ محاربةِ أتباعِهَا ذوي التيَّاراتِ المختلفةِ بعضَهُم لبَعض، وبينمَا لمْ تجدِ ممارساتُ القمْع والإضطهادِ نفعاً في إطفاءِ جذوةِ المسيحيَّة، فقدْ أرادتِ الحدَّ من انتشارهَا عنْ طريق المراوغة وتمرير سياساتِهَا اللينة أو وضعِهَا تحتَ تحكُّم وسيطرةِ نفوذِهَا الإستعماري. وهكذا وعَقبَ صدور فرَمان عامَ ثلاثِمِئةٍ وثلاثة عشَر، تعلِنُ منْ خلالِه الإمبراطوريَّة الرُّومانيَّة عن إعتمادِ المسيحيَّةِ ديناً رسمياًّ لهَا.
– كانتْ ممالكُ بلادِ ما بينَ النهريْن كمملكتي تدمُر والرُّها التي تُدعى مملكة الأباجرَة تتبَعان الإمبراطوريَّة الرُّومانيَّة، وقدِ استمرَّ حُكمُهُمَا على بُقعةٍ جغرافيَّةٍ صغيرَة حتى القرْن الثالثِ للميلاد. ومنْ بعدِ سقوطِهمَا عقدَ الشَّعبُ السُّرياني رجاءَه في الخلاص والنجاة على كنيسَةِ أنطاكيَّة، لهذا شرعَ السُّريانُ يتعلَّقونَ بالكنيسةِ والأساقفةِ العائدينَ لهَا. وأسفرَ ذلكَ عن إتساع رُقعةِ الكنيسةِ الأنطاكيَّة، وأصبحَ الأساقفة قادَة ومُدبرينَ كلٌّ ضمنَ نطاق رعايتِه. ومنْ جهتهَا، قامتِ الكنيسَة بإفتتاح المدارس الدينيَّة في محاولةٍ لحمايةِ المسيحيَّةِ منَ الإندثار، وكانتْ كبرَى تلكَ المدارس التي خرَّجَتِ العديدَ منْ جهابذةِ وفطاحل اللاَّهوت، مدرسَة كنيسةِ أنطاكيَّة التي تأسَّسَتْ سنة مئتيْن وتسعينَ ميلاديَّة.
– لقدْ بدأتِ المفاهيمُ الفلسفيَّة والتفاسيرُ المتناقضة المتصلة باللاَّهوت تلوحُ في الأفق معَ قيام إمبراطوريَّةِ رومَا ببناءِ نموذج أحاديٍّ للطَّقس الكنسي. وخلالَ فترةِ إعتلائِه سدَّة الكرسيِّ الأنطاكي والتي امتدَّتْ بينَ عامَي مئتيْن وستين ومئتيْن واثنيْن وسَبعينَ ميلاديَّة، جاءَ البطريركُ (بولص السُّميسَاطي) بأوَّل بدْعةٍ تقولُ إنَّ “يسوعَ المسيح هوَ إنسَانٌ مَحض”، حيثُ آمنَ ببشريَّةِ ابن الله ووَافقه على مذهبهِ التوحيديِّ الخالِص كثيرونَ عُرفوا بالبوليقانيين. وقدِ استنكرتِ الكنيسَة هذهِ البدعَة وقامتْ بتحريمِه. وبعدَ مُضيِّ فترَةٍ، تنمو البدعة وتينع، فطالبٌ في مدرسَةِ كنيسَةِ أنطاكيَّة يُدعى (آريوس) يَظهرُ ببدعَةٍ أخرَى يقولُ فيهَا إنَّ “الإبنَ أي الأقنومَ الثاني منَ الثالوثِ الأقدَس الذي تجسَّدَ في شَخص المسيح، هوَ خليقة الله وليسَ أزلياًّ كالآب، ولهذا يُمكِنُ أنْ نخصَّه بالألوهيَّةِ بشَكل غير مباشر”. وجاءَ في كتابٍ عنْ تاريخ كنائس الشَّرق ترجمَه إلى التركيَّة البروفسُّور الدُّكتور مُحمَّد آيدين، لقدِ “انتشرتْ بدعَة آريوس خلالَ زمَن قصير في إقليم الأناضول وسوريَا ومِصر وأماكنَ أخرَى”. ونشَبَ الصراعُ بينَ أتباع آريوس ومعارضيهِ بعدَ أنْ برَزتْ بدعتُه في الأوسَاطِ المَسيحيَّة. ولِئلاَّ تستشريَ هذهِ البدعَة داخلَ الإمبراطوريَّةِ الرُّومانيَّة التي أخذتْ شوكتُهَا تتعاظمُ، فقدْ دُعيَ سنة ثلاثِمِئةٍ وخمْس وعشرين وبأمر منَ الإمبراطور الوثني (قِسطنطين) لعَقدِ مَجْمَع في مدينةِ نيقيَة التركيَّة (أزنيق حالياًّ)، عِلماً بأنَّ الكنيسَة لمْ تنو عقدَ هذا المَجْمَع الذي أرادَته الإمبراطوريَّة وكانَ في الوقتِ نفسِه خاضعاً لسيطرتِها ومراقبتِها.
– سيداتي وسادتي، لقدْ قامَ الإمبراطور الرُّوماني (قِسطنطين) بدَعوةِ أساقفةِ الإمبراطوريَّة إلى مدينةِ (نيقيَة) شمالَ شرق تركيَا حالياًّ، لينعقدَ أوَّلُ مَجْمَع مَسكونيٍّ في تاريخ الكنيسةِ بعدَ مَجْمَع الرُّسُل. ويعودُ السَّبَبُ في عقدِه إلى إنتشَار البدعةِ الآريوسيَّة المتعلقةِ بطبيعةِ المسيح والتي هدَّدَتْ بإنقسَام الكنيسَة. وقدِ اشتركَ في هذا المَجْمَع ثلاثمِئةٍ وثمانيَة عشَرَ أسقفاً منْ أصل ألفٍ وثمانِمِئةٍ كانوا يُمارسونَ خدمَتهم في أنحاءِ الإمبراطوريَّةِ الرُّومانيَّةِ آنذاك، حيثُ حضروا ممثلينَ عنْ كنيسةِ روما وأنطاكيَّة والإسكندريَّة. كونوا بإنتِظارنا في الجُّزءِ الثالثِ منْ تاريخ كنائس بلادِ ما بينَ النهريْن لِنطلِعَكم على أهمِّ القراراتِ والتوصياتِ التي خرجَ بهَا مَجْمَعُ (نيقيَة) الذي انعقدَ في ظلِّ مراقبةِ وتحكُّم إمبراطوريَّةِ روما.

‫شاهد أيضًا‬

صدور كتاب في باريس عن الكتابات السريانية المنحوتة في العراق

في اطار البحوث التاريخية التي توثق انتشار حضارة شعبنا بكثرة في بلاده التاريخية بلاد ما بين…