24/04/2020

من معاناة شعبنا أحداث السيفو

إنه سيفو كما تناقلته الألسن وتحول إلى غيمة سوداء لبست السماء لا تتحرك إنه ارتداد الجيوش العثمانية ومرتزقتها على شعوب مسالمة لا وجود للحقد والضغينة في قاموسها .
وبدأت ترتعش الأبدان وتهتز النفوس وتهيأ من كان ذو خبرة وتجارب في الحياة من أهلنا للدفاع عن النفس والعرض والأرزاق .
كانت عسيرة ومؤلمة ومخاضها صعباً إن ما ارتكبته هذه الجيوش ومرتزقتها لاشبيه له إلا بأكثر حلقات الموت في العهد المغولي وخاصة في عهد تيمورلنك حيث كان يقيم تلالاً من جماجم ضحاياه وبدأت فوضى عارمة وأعدت مذابح جماعية وإبادات جسدية لأهلنا في كل مكان بأرض الوطن ونشط اللصوص وقليلو الوجدان وعاثوا في الأرض فساداً لم يتركوا للأخلاق مكاناً ولا للإنسانية وجوداً ولا للوحشية وصفاً وتحولوا إلى ذئاب لاتهوى إلا الافتراس ولا ترتاح إلا لرائحة الدماء .
وتحت جنح الظلام وعلى أصوات تلك الوحوش المسعورة تسللت حاوا امرأة من أهلنا من إحدى القرى نحيفة الجسم وهزيلة البنية جمعت قواها وحزمت أمرها وبدأت برحلة مع المجهول برفقة أطفالها الثلاث لعلها تحميهم من السيوف الجارحة المتربصة بأهلنا في كل مكان.
خطوة إلى الإمام ونظرة إلى الوراء حيث يتعثر أحد أطفالها وصراخ لاينقطع وصداه يصل إلى أذنيها فترتعد خوفاً من أن أحد السفاحين قد لحق بها وبدأ العناء والإرهاق يجد له مكاناً في جسمها النحيل لكنه لم يحقق أغراضه وعقلها الباطن يحثها ويشد من عزيمتها فلم تعد تكترث بوعورة الدرب الذي سلكته ولم يعد للصخور وجذور الأشجار الناتئة أسباباً تدفعها للتوقف والاستسلام إنها تحس بأوجاع وآلام أطفالها المنهكين فهم خائفون والجوع والعطش بدأ يأخذ من قواهم الغضة وبنات آوى تجوب المكان بحثاً عن شيء تفترسه لتملأ بطونها الخاوية وأصواتها متواصلة قريبة منهم أحياناً وبعيدة بعض الشيء أحياناً أخرى .
مع بزوغ الفجر وانكشاف التلال والوديان خاطرت في الاندفاع إلى سرداب يقودها إلى كهف صغير جعلت منه الثعالب وكراً لها وما أن وصلت وأطفالها إليه حتى اندفعت الثعالب مذعورة وعلا صراخ أطفالها وبشكل لاشعوري مدت يديها إلى أفواههم خوفا من صدى أصواتهم يصل إلى آذان الذئاب المفترسة من البشر المنتشرين في كل مكان بحثاً عن فرائس بشرية أمثالهم.
لحظات وشد نظرها نحو أيدي أطفالها والدماء تسيل منها فقد جرحت بسبب الأشواك الناتئة على جانبي الدرب المتموج الذي سلكته وفعلت فعلها مع أطفالها فتأجج الحزن داخلها وانهمرت الدموع من مقلتيها بدون صوت ولثمت أيديهم واحداً واحداً لعلها تقلل من معاناتهم وعندما رفعت رأسها لاحظ أحد أطفالها الدماء محاطة بفمها فمد طرفاً من ثيابه الرثة ومسحه مبتسماً أحبك يا أمي فبادلته الابتسامة بضم أطفالها الثلاثة فجلست وهم بجانبها ليغرقوا في نوم عميق وبدأت بتنظيف جروحهم تارة من دموعها وتارة من ريقها الذي بدأ ينفد بسبب العطش وخرجت منتهزة الفرصة لإحضار بعض الثمار الساقطة منحنية أحياناً وزاحفة أحياناً أخرى وابتعدت قليلاً عن الكهف وبعد لحظات وتحت تأثير الآلام التي سببته الجروح لأطفالها استيقظ أحدهم ولم ير أمه فلم يتردد بالخروج ظناً منه أن أمه قريبة من المكان وضل الطريق وابتعد .
ولحظات أخرى استيقظ الثاني وسلك درباً آخر وضل هو الثاني وآماله في العثور على أمه ذهبت مع الرياح وبدأ العقل الباطن والحاسة السادسة لديها يتفاعلان والتقطت صوت أحد أطفالها وكأنه يطلب النجدة فأسرعت بالعودة للكهف وتفاجأت بوجود طفل واحد غارق في النوم وبشكل لاشعوري تحولت إلى أشبه بلبوة أضاعت أشبالها وبدأت تزأر لعل أحد أطفالها يلتقط زئيرها لكنها كانت أمنية صعبة المنال وتحطمت معنوياتها وآمالها بالعثور عليهم بدأت تتلاشى واعتقد بعض المجرمين المحيطين بالمنطقة أن أسداً يجوب المكان وبدؤوا بالابتعاد مذعورين كالجرذان اللذين لمحوا ظلال صقرٍ وهو ينقض عليهم وعندما وصل اليأس إلى الأم حملت طفلها الثالث لتكمل مسيرتها مقنعة نفسها بأن السيوف الجارحة قد طالت الطفلين الآخرين وبعد عناء طويل استطاعت أن تنضم إلى آخرين هاربين باتجاه الجزيرة السورية ولم يطل بها الزمن حتى نال المرض والحزن والألم من جسمها وتغيب عن الحياة بعد آه عميقة تاركة إبراهيم لقدره لقدره لقدره .
وللقصة بقية.
بقلم
أبو سيميلا

‫شاهد أيضًا‬

أكيتو بريخو 6772