07/06/2020

برج صافيتا… أهمية جغرافية و تاريخية… جزء من التاريخ السوري

بقلم الإعلامي السرياني ميلاد كوركيس

التاريخ السوري طويل و مليء بالأسرار عن الحضارات المتعاقبة ، التي بصمت التاريخ ببصمتها و أصبح لكل حضارة ، مرت عبر التاريخ سابقا أثر غير قابل للنسيان ، تقوم الأجيال المتعاقبة بإستذكاره لتفتخر بتاريخها السوري أو الفسيفساء السورية الدالة على التنوع الحضاري و التاريخي ، حتى أصبح صعبا على العلماء و الإختصاصيين تحديد مدى قدم سوريا أو إلى متى تعود أقدم حضارة فيها ، من هنا أود أن أظهر مدى أهمية التاريخ السوري و ضرورة إعتبار التنوع فيه أساسا له ، لأن سوريا بتنوعها الحضاري و الديني و الواجب إظهار كل ذلك أو تسليط ضوء الكتابة عليه ولو قليلا ليصبح ظاهرا للعيان و لتتمكن الأجيال اللاحقة من معرفة تاريخها و حضارتها ، التي تعرضت لاحقاً للتجاهل ، حتى غفل البعض أو الغالبية عن أهمية تاريخهم و حضارتهم و الأهم من ذلك الإفتخار بسوريتهم و أصالتها.
من هنا أرغب بالحديث عن أحد أهم الأماكن حضاريا و تاريخيا و اللذان لا يقلان أهمية عن موقعه ، إنه الساحل السوري ، الذي كان تاريخيا يمتد من ميناء رفح في فلسطين جنوبا شاملا الساحل السوري الحالي حتى مدينة مرسين في تركيا شمالا.
وهذا كان يشكل ما يسمى بسواحل
 سوريا الكبرى ، ولكن بعد دخول الفرنسين والإنجليز وتقسيمهم المنطقة والاتفاقيات التي عقدوها مع تركيا و وعد بلفور وتقسيم سوريا ، تقلص الساحل السوري إلى ما يشكل اليوم منطقتي اللاذقية وطرطوس.
الساحل السوري الذي يتميز إضافة بموقعه الجغرافي الهام، إلا إنه أيضا يحوي على أهم
المعالم الأثرية ، التي تعبر بدورها عن التاريخ السوري و تعتبر جزءا مهما لا يتجزء عن
هذا التاريخ ، الذي كان و مازال لوقت طويل يشغل بال علماء الآثار حول العالم، بما يحويه من آثار و معالم قيمة و ذات أهمية تاريخية ، منها الثقافي ، العلمي و غيرها من المجالات التي شكلت إنطلاقة و إندفاع للعالم ، لمعرفة الكثير أكثر و أكثر عن التاريخ القديم للأرض السورية.
للحديث عن المكان الأثري الذي أسعى الحديث عنه ، لا يسعني إلا أن أبدأ بسرد قصير يعطي فكرة واضحة عن المكان ، الذي يقع فيه هذا المكان، الذي يعتبره كثيرون و منهم أنا مكانا هاما و تاريخيا و هنا أتحدث عن مدينة صافيتا، التي تمتاز بطبيعتها الساحرة وأثارها العرقة حيث تنتشر الآثار والمواقع الأثرية في صافيتا ومحيطها ، وفي سط مدينة صافيتا قلعة ضخمة تعود إلى فترة الحروب الصليبية لا يزال أحد الابراج الضخمة لتلك القلعة قائما حتى الآن ويصل ارتفاعه إلى 28 متر يطلق علية (برج صافيتا) الموضوع الأساسي لمقالنا و يوجد به كنيسة لا تزال مستخدمة من السكان المسيحيين بالمدينة، سكان صافيتا بمعظمهم من المسلمين والمسيحيين وتتميز بوجود عدد من الكنائس والمزارات أهمها كنيسة القديس ميخائيل وكنيسة القديس نيقولاوس.
ومن المواقع الأثرية والسياحية التي تتبع لمنطقة صافيتا موقع الكفرون الذي يعود تاريخه إلى العهد الكنعاني ويتوسط قرى الكفرون جبل عال يسمى جبل السيدة العذراء فيه آثار فينيقية و مسيحية منها السور الذي يحيط بقمة جبل السيدة والكنيسة وترتفع هذه المنطقة عن سطح البحر 600 متر.
الكفر كلمة أرامية تعني الحارة والواو والنون للتصغير مثل /مار/ و/مارون/ وهناك رأي آخر يقول أن الواو والنون للجمع لتصبح حارات موضحا ان الكفرون اليوم عبارة عن بلدة واحدة تكونت من سبع قرى (أصبحت أحياء) صغيرة قديمة هي زريق وبشور وسعادة ورفقة وحيدر وبيت بدرة ونبع كركر/ وهي مصيف ومقصد سياحي تتمتع بطبيعة ساحرة.
بالحديث عن موضوع مقالنا اليوم، إلا و هو البرج التاريخي أو كما يطلق عليه برج صافيتا الذي حمل اسم صافيتا بورغاس القصر الأبيض أو بيانك شاستي الحصن الأبيض حيث كانت هذه التسمية تطلق أيام الحروب الصليبية ويعود سبب تسميته البرج الأبيض لأن الحجارة المبنى منها هي حجارة كلسية بيضاء.
يمتاز برج صافيتا بموقعه الهام في أعلى قمة في المنطقة فوق هضبة مستديرة صخرية في الشعاب الجنوبية لسلسلة الجبال الساحلية يرتفع عن سطح البحر 419 مترا ويشرف على الساحل حتى أرواد وطرابلس والدريكيش وقلعة الحصن يعد منطقة وسطى بين أرواد وحصن سليمان ما يرجح أنه كان محطة وموقعا دفاعيا لحامية فينيقية في دولة أرواد ويمكن رؤية قلعة الحصن وقلعة العريمة وقلعة طرابلس وبرج ميعار وقلعة يحمور وقلعة أم الحوش وقلعة العليقة وقلعة صلاح الدين على امتداد جبال الساحل السوري بالعين المجردة من هذا البرج حيث أنه كان قديما يشكل شبكة اتصال من تلك القلاع بالنيران ليلا والدخان نهارا.
حيث ينال هذا البرج من هنا أهمية تاريخية ، جغرافية و حضارية ، تجعله من الأماكن الهامة و الجديرة ، بإن تكون أهم المعالم التاريخية
لسوريا ، لتكمل صورة الفسيفساء السورية التاريخية و التي ، سعى البعض لوقت طويل طمسها و إختصارها بتسمية تلغي تاريخها و حضارتها الهامة و الطويلة.
بالحديث قليلا عما يتصف به البرج و أهميته ، حيث يتم الدخول إلى البرج من البوابة المطلة على جهة الشرق وهي ذات بناء مؤلف من طابقين لم يبق منه من هذا الجانب سوى الجدار الغربي وعقود حجرية , أما البرج المحصن ويبدو بحالة جيدة من المدخل الرئيسي بشكل جيد فقد شيدت جدرانه من قطع حجرية مربعة رائعة تظهر فيها آثار مميزة للإصلاحات التي جرت بعد الزلزال الأول في عام 1170 م والزلزال الثاني عام 1202 م الذي إنهار خلاله الطابق العلوي وأجزاء من الزاوية اليسارية للبرج.
و يتألف البرج المحصن من أربعة أقسام وهي الأساس الفينيقي وهو مغمور تقريبا ولكن أساسه يظهر من الجهة الشرقية والشمالية والطابق الأرضي وهو عبارة عن أقبية سقوفها نصف دائرية لها بوابات تؤدي إلى سراديب وفيها خزان ماء محفور في الصخر تم ردمه عندما بدا السكان ببناء مساكنهم.
والطابق الأول للبرج يتألف من كنيسة تمارس الطقوس الدينية فيها حاليا والطابق الثاني يدعى بالقاعة الكبرى فوق الكنيسة للبرج المحصن وهو عبارة عن صالة مفتوحة وفيها نوافذ ومرامي السهام عميقة كانت تؤمن الدفاع عن البرج وقد تم تصميم الطابق الثاني وبناؤه في أوائل القرن الثالث عشر على ثلاث ركائز من الأعمدة الضخمة البارزة تستند إليها عقود متصالبة شديدة الانحناء ويتم الوصول إلى السطح عن طريق درج في الطابق الثاني ويحتوي السطح شرفات ما زال قسم منها محتفظا بفتحاته وهي تطل على الأفق البعيد والشرفات مبنية من صخور ضخمة منحوتة بدقة وعناية كما تضم مدينة صافيتا العديد من المواقع الأثرية والسياحية المهمة مثل حصن سليمان والكفرون وجسر الكفرون ومغارة الضويات.
حيث ينال برج صافيتا إضافة لأهميته الجغرافية أيضا أهمية تاريخية لا تقل بشيء الأهمية الجغرافية
حيث بني البرج فوق معبد كنعاني ، ثمّ أنشئت كونتية طرابلس أول حصناً في المكان بعد أن تمكن “ريموند دي سان جيل” من الأستيلاء على طرابلس من إمارة “بني عمار” التي حكمت طرابلس لصالح “الخلافة الفاطمية”.
طرد أتابك حلب نور الدين زنكي الفرنجة منه في عام 1167م، ولكن سرعان ما انتقل بعد ذلك إلى عهدة “فرسان الداوية” الذين جددوا بناءه بعد الهزة الأرضية التي حدثت عام 1170م والتي تسببت في تخريبه من جديد ، وحاول إسترجاعه “نور الدين الزنكي” في عام 1171م.
وتمّ له ذلك في العام التالي في زمن ريموند الثالث كونت طرابلس.
حاصر “السلطان صلاح الدين الأيوبي” البرج خلال توسعه في سورية في عام 1188م.
خضع البرج لإعادة بناء ثانية بشكل مكثف وتمّ تجديد البرج أيضاً إثر هزة أرضية أخرى ، وهو التجديد الأخير في بنائه في عام 1202م.
احتل البرج “جاك دو فيتري” أسقف عكا اللاتيني في عام 1217م ، وكان يرسل هذا الحمام الزاجل ليعلن عن تنقلاته وليطلب إرسال خفراء لملاقاته.
شن “الملك الأشرف” سلطان حلب هجوم مضلل على البرج لإرهاق مؤخرات الجيش الفرنجي الخامس الذي كان في تلك اللحظة يحاصر دمياط في عام 1218م.
حاصر السلطان “بيبرس” البرج في عام1271م، ومن ذلك التاريخ والبرج بيد العرب.
بقي البرج بحالة جيدة حتى نهاية القرن التاسع عشر ومن ثم بدأ سكان المناطق المجاورة ببناء المساكن المحاذية له والقريبة منه وضمن سوره وفوقه بحيث أصبحت تغطي قسم كبير من معالم سور البرج حتى شكلت تلك المنازل بلدة صغيرة يطلق عليها اليوم اسم صافيتا نسبة إلى البرج.
الدور الحربي الرئيسي لبرج صافيتا هو دوره كبرج مركزي رئيسي على مستوى الساحل السوري ككل في تبادل الإشارات النارية ليلا والدخانية نهارا ، وهو بهذا الدور يفوق بأهميته حتى
 قلعة الحصن ، لإستراتيجية موقعه المشرف على كل ما حوله من قلاع وأبراج حربية، بينما قلعة الأكراد لا تحقق ذلك.
من هنا أردت واو قليلا ، أن أقوم بسرد بسيط عن أحد أهم معالم الساحل السوري ، الذي سوف يكون له نصيب من خلال المقالات اللاحقة ، التي سوف يتم التركيز بغالبيتها على الأثر الجغرافي و التاريخي الهام للساحل السوري ، الذي بقي بدوره بعيدا عن الاضواء و لا يعرف عنه الكثير إلا، إنه ساحل فيه طبيعة و ميناء، لذلك سوف أحاول بالأيام اللاحقة التركيز أكثر على الجانب التاريخي و الحضاري للساحل السوري.
أتمنى أن لا أكون قد أطلت عليكم عسا، أن تكون المقالات و الأعمال الأخرى، ذات إستمرارية للحديث عن التاريخ السوري القديم و المعاصر الطويل و الذي قدم الكثير للبشرية.

(( لا تبخلوا بحق حضارتكم، لإنها إرثكم المستقبلي، لمن هم بعدكم ))

‫شاهد أيضًا‬

مهرجان مردوثو السنوي الثاني يختتم اعماله بتكريم المشاركين

مهرجان “مردوثو” الذي تقيمه الجمعية الثقافية السريانية في سوريا, انهى اعماله في…