18/08/2020

الهرطقات الجديدة

ابلحد حنا ساكا البرطلي

لاشك أن أحداً لايستطيع تجاوز امراً عسكرياً مفروضاًأو يتجاهل قراراً ادارياً سلطوياً، أو تعليمات ،وتوصيات صادرة من جهة مخولة لإصدار عقوبات رادعة بحق مخالفيها أو من يتمرد عليها فتلك السلطة لا ترحم من يتمرد اويخطأ. ولايتعاطف مع من يهمل أو يتجاوز حدوده لأن العقوبة رابضة في الباب ، كما حصل مع دانيال النبي وزملائه الثلاثة شدراخ وميشخ وعبد نغو حين امتنعوا عن الإمتثال لأوامر الملك نبوخذنصر . اما في الكتاب المقدس فالأمر مختلف تماماً فالشرائع الأدبية والقوانين السماوية والمواعظ الروحية والارشادات الأبوية في الكنائس المجاهدة تحاول أن تبعد الإنسان عن تجاوزاته وبالتالي سقوطه . اما الإنسان العصري لا يريد أن يفكر في ألله العادل الديان وما يدخّرهُ من غضب وسخط ودينونة لأولئك المنحرفون والمتطاولون على كلمة ألله، لكنه يريد أن يصوّر ألله ويجعله حسب ذوقه وهواه ورغبته ، وشهوته، وميوله ،ونزواته،ليخلع عنه الصفات التي لايريدها فيه .
ان الإنسان العصري الحضاري يحاول أن يصنع لنفسه الهاً لايتكلم ولا يتدخل في شؤونه كما فعل بني إسرائيل حينما صنعوا لهم عجلاً ليعبدوه . هذا الإله الذي تتوافق رغباته وشهواته ،وغرائزه، وتفكيرهِ، ولا يُنتَهَر عما يرتكب خطايا ويعيش فيها برضى هذا الإله . هذا الإله الجديد لهُ صفات مرغوب فيها ومقبولة بشرياً لدى الجميع . فيكون اله محبة ورحمة وغفران ، إله عطوف متسامح حنان ابٌ مثالي لكن دون عدالة . وهذا معناه دون وجود دينونة أو عقاب لهذه الخطيئة. يريد الإنسان الجديد أن يعيد صياغة تعاليم ألله الصحيحة ووجودهِ على اساس التسامح والاباحة والمحبة الشاملة التي لا حدود لها والخير العام ، أما الفكر والتعاليم والأحكام والقصاصات والعقوبات التي يقدمها الكتاب المقدس فيما يتعارض مع بر ألله وقداسته أنه أمر مطلق تام فهذا لا يعنيه. ففي طبيعته الالهية إنه إله غيور لا يرضى أن تكون آلهة أخرى أمر يغفلهُ أو يتغاضاه الإنسان العصري الجديد . فهو يقدم صورة ألله العصري بدون شرائع ولا قوانين ولامختارين ولا قديسين ولا كهنة ولا إنضباط يتطلب الطاعة التامة . فبات الإنسان الحديث انساناً غير منضبط بلا مقاييس ليس ملزم التمسك بها والعمل بها ، فقد حرَرَ نفسَهُ بنفسِهِ منها .
فالعذراء مريم لم تعد والدة الإله بل غلافاً جميلاً لهدية مقدمة للبشرية . والمختارين بشرٌ كسائر البشر لايتوجب المغالاة في الإقتداء بهم أو حتى احترامهم، والقديسين والمرشدين الذين نظرنا في نهاية سيرتهم البر والقداسة باتوا عبئاً ثقيلاً على البعض الآخر . أما حياتهم وتعاليمهم وسلوكهم ورسالتهم لا تعني اليوم شيئاً سوى تاريخهم الشخصي، وتناسوا قول الرب فيهم عندما قال انتم ملح الأرض بمعنى إنكم بسلوككم وقداستكم وطهارتكم وحياتكم تعطون طعماً روحياً للحياة وبدونكم ستتعطل الرسالة بل بالأحرى لن تكون رسالة روحية دون اتقياء ألله وقديسيه. أمن المعقول أن تتمثل رسالة الرب الخلاصية باولئكَ الاشرار؟ ” حاشا لله ” …
في نهاية الستينات من القرن الماضي عقد مؤتمر في مدرسة اللاهوت في هارفارد ضمَّ أكثر من ٩٠٠ قس وطالب لاهوت وباحثين في الكتاب المقدس، وكان مدار الحديث والبحث والدراسة بما يسمى ” الأخلاق الجديدة ” وأهميتها في الكنيسة المعاصرة ومن بين تلك المواضيع المطروحة ضرورة السماح بالجماع الجنسي بين شاب وشابة مخطوبين قبل اقتبال سر الزواج المقدس وحالات الإجهاض . وقد تم تأييد هكذا قرار وقرارات أخرى مثل عدم إدانة الكنيسة للعلاقات الجنسية مطلقاً . وتوالت المؤتمرات والإجتماعات لصياغة تعاليم جديدة بل طبيعة جديدة لله تتناسب مع سقوط الإنسان وتوغله في الشر . وتوالت القرارات والتعاليم المختلفة من كنائس متعددة مثل كنيسة ” الإنسان الجديد ” و “الإنسان العصري ” و “الكنيسة الجديدة ” و ” الأخلاق الجديدة ” و ” اللاهوت المعاصر ” و ” اللاهوت العصري ” وكنائس أخرى غير رسولية تجاوز عددها ١٥٠٠ كنيسة بحيث أن زعيم كل مجموعة يبتدع تفسير جديد لآية معينة يتوجب عليهِ تأسيس كنيسة جديدة . وكان من نتائج تلك الولادات الأرضية أن تمخض عنها ولادة ” الزواج المثلي ” وإمكانية تغيير نوع الجنس والإباحية وإعطاء ومنح سر الزواج والقربان المقدس لبعض الحيوانات في الكنيسة كالكلاب والقطط وما إلى ذلك من الانحرافات عن التعليم المقدس الصحيح . فقد طرح اولئك المنحرفون دررهم قدام الخنازير .
من هنا نرى أن زعماء هذه الكنائس يداومون على صياغة ألله حسب اتجاهات وميول ورغبات ونزوات وشهوات منتسبيهم كما فعل هارون حين سمح بل تعاون مع شعب اسرائيل لصناعة ألله ” العجل الذهبي ” ولكن يقول المرنم ” ناموس الرب كامل يرد النفس ، شهادات الرب صادقة تصير الجاهل حكيماً ، وصايا الرب مستقيمة تفرح القلب . أمر الرب طاهرٌ ينير العينين . خوف الرب نقي ثابت إلى الأبد، أحكام الرب حق عادلة كلها . أشهى من الذهب والأبريز الكثير وأحلى من العسل وقطر الشهاد . ايضاً عبدك يحذرُ بها وفي حفظها ثوابٌ عظيم ” ( مزمور١٩ : ٧ – ١١) . ويحذرنا الكتاب المقدس من الناس الأشرار الذين لا يفهمون الحق ولا يفهمون حق الدينونة . ( حسب صنع ايديهم اعطهم . رُدَّ عليهم معاملتهم ) ” مزمور ٢٨ :٥” . كما يحذرنا من المعلمين الكذبة والمرشدين المزورين والأنبياء الدجالين ” لأنه دخلَ خلسة اناس ، وهم أشرار يحولون نعمة الهنا إلى فجور وينكرون سيدنا وربنا الواحد يسوع المسيح له المجد وعقابهم مكتوب من قديم الزمان ” (يهوذا ١ :٤ ) . وكذلك ” ففي العالم كثير من المظللين ومنهم من لايعترفون بمجيء يسوع المسيح في الجسد هذا هو المضلل والمسيح الدجال ” (٢ يوحنا ٧ ) . ” والروح صريح في قوله أن بعض الناس يرتدون عن الإيمان في الأزمنة الأخيرة ويتبعون ارواحاً مضللة وتعاليم شيطانية ” (١ تيماثاوس ٤: ١) . ويكرر الكتاب المقدس تحذيرنا من التعليم الباطل ” فإن علم احدٌ غير ذلك وخالف الأقوال الصحيحة أقوال ربنا يسوع المسيح والتعليم الموافق للتقوى فهو رجلٌ اعمته الكبرياء ولا يفهم شيئاً به هوس بالمناقشات والمماحكات التي يصدر عنها الحسد والشقاق والشتائم والظنون السيئة والمنازعات بين قوم فسدت عقولهم وأضاعوا الحق وحسبوا التقوى سبيلاً إلى الربح ” …
وهذا ما حصل عندنا ويحصل اليوم ، فالكثير تاجروا بالتقوى ويلومون الذين يتاجرون بها اليوم . وكما هي تعاليم الرب في العهد الجديد ” عهد النعمة ” كذلك كانت في عهد الشريعة لأن الرب جاء في ملء الزمان ليصحح المسار ويفدي البشرية ويكمل ما في الشريعة لزيغان الإنسان وتوغله في الشر لأن الشريعة منذ البدء لم تكن للأبرار والصالحين ” لأننا نعرف أن الشريعة ماهي للأبرار، بل للعصاة والمتمردين، للفجّار والخاطئين للمدنسين والمستبيحين لقاتلي ابائهم وامهاتهم لسفاكي الدماء ، الزمان والمبتلين بالشذوذ الجنسي لتجار الرقيق والمصابين و الذين يحلفون باطلاً ولكل من يخالف التعليم الصحيح ” (تيماثاوس ١ : ٩- ١٠ ) لقد وضع يسوع نفسه ختم مصادقته على الشريعة حين قال ( ولكن زوال السماء والأرض أيسر من أن تسقط نقطة واحدة من الناموس ) ” لوقا ١٦ :١٧ ” . إن لشريعة موسى والعظة (الموعظة ) على الجبل مقاييس لا يمكن أن تتغير وليس من حق أحد أن يجتهد أو يغيّر أو يحاول أن يغيّر في تلك المفاهيم لئلا يقع في خطر تدنيس الشريعة والتجديف على ألله وارتكاب الهرطقة والبدعة المميتة ، وبالتالي تقع علينا مهمة التصدي لمؤامرة الصمت ، تلك المؤامرة التي تغض النظر عن كل مايعترض كلام ألله وتعاليمه بحجة التماشي مع روح العصر …. …..

بقلم الشماس
ابلحد حنا ساكا البرطلي

‫شاهد أيضًا‬

في اليوم العالمي للغة الأم.. اللغة السريانية حية لا تموت

في الحادي والعشرين من شباط من كل عام، تحتفي منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة &#…