24/08/2020

اليهود العراقيين و”سائرون” والاعتذار

متي كلو

يعود تاريخ اليهود في العراق الى ما قبل 2600 سنة واستطاعوا عبر هذه القرون ان يحافظوا على هويتهم وثقافتهم وتقاليدهم وان يكونوا مواطنين اصلاء قبل غيرهم، جذورهم ضاربة في القدم واسهامتهم المتميزة المشرقة محفوظة في صفحات التاريخ العراقي وساهموا بتاسيس الحكم الوطني وقيام المملكة العراقية من خلال مشاركة ساسون حسقيل في مؤتمر القاهرة عام 1921 برئاسة ونستون تشرشل والذي اصبح اول وزير مالية لينظم اول ميزانية في تاريخ العراق واشترك في عدة حكومات متعاقبة وبفضله اخذ العراق يسترجع واردات النفط بالباون الذهبي، بدلا من العملة الورقية، بعد اصراره على هذه المعاملة في المفاوضات عام 1925 مع الجانب البريطاني كما استطاع ان يضع خطة دقيقة من اجل اصدار عملة عراقية موحدة واصبحت اول عملة متداولة “الدينار” بدلا من الروبية الهندية والليرة التركية.
ساهم اليهود العراقيين في بناء الدولة العراقية في كافة مفاصلها وكانت مكانتهم البارزة في الخدمة المدنية بعد الاستقلال، في عام 1946 كان لهم 6 نواب وكذلك في مجلس الاعيان والذي ترأس فيه مناحيم صالح دانيال المجلس، كما كانت لهم بصمة في تطوير التعليم حيث بلغت نسبة خريجي الجامعات بينهم اعلى نسبة من كافة العراقيين واشتهر بينهم عدد كبير من الاقتصادين ورجال الاعمال وكبار التجار ومنهم اول طيار عراقي يهودي هو سليم دانيال الذي قاد طائرة مدنية من لندن الى بغداد عام 1930 وهو من عائلة تعتبر من كبار المحسنين جادت بسخاء لخدمة العراق كما وهبت بعضا من اموالها واملاكها لدائرة الاوقاف والى يومنا هذا مسجلة في دائرة الوقف الاسلامي في العراق.
ان التاريخ المشرق ليهود العراق لا تكفي الحديث عنه بمقالة واحدة بل الى عشرات الكتب،ولكن حنينهم الى العراق منذ تهجيرهم القسري والى الان هو الذي دفعني لكتابة مقالتي هذه عندما التقيت باحدهم في احد المطارات عندما كنت اتحدث مع عائلتي باللهجة العراقية ،فوقف امامي رجل في حوالي الخمسين من عمره، سالني بنفس اللهجة، هل انت عراقي فاجبته بكلمة نعم، قال انا يهودي عراقي من مواليد تل ابيب! سالته كيف تعلمت اللهجة العراقية، اجابني قائلا، نحن نتكلم بهذه اللهجة في المنزل كما نتحدث بها مع اعمامي وخوالي واولادهم لاننا نحب العراق ونشتاق الى رؤيته وحفضنا بعض اغاني ناظم الغزالي وعفاف اسكندر وسليمة مراد وزهور حسين ونعرف دجلة والفرات وشارع ابي نؤاس والسمك المسكوف والكرادة وامنياتنا ان نرى بيت جدي في البتاوين.
هذا هو اليهودي العراقي الذي هاجر ابائه واجداده وابناء جلدته وطنهم واسقطت عنهم الجنسية العراقية بقرار مجحف من قبل حكومات العهد الملكي المباد، كما صودرت املاكهم ومحلاتهم وتركوا كل شيئ سوى حقيبة تحتوي على بعض الملابس وغادروا وفي عيونهم الف دمعة ودمعة، بالرغم من ماساتهم ضلوا متمسكين بعاداتهم وتقاليدهم وتراثهم الذي ورثوه عن اسلافهم، اسسوا في الشتات احياء عراقية ومحلات ومطاعم عراقية يباع فيها اكلات عراقية اضافة الى تاسيس تجمعات ثقافية واجتماعية ومقاهي ويستمعون فيها الى الموسقى الاغاني العراقية،اضافة الى تاسيس حي في تل ابيب اطلقوا عليه اسم”بغداد الصغيرة” ليصبح مزارا لذكريات يرويها هؤلاء اليهود، وعندما تبحث في منصات التواصل الاجتماعي، تجد ذكريات يرويها هؤلاء اليهود العراقيين، ليس في بغداد فقط بل كثير من مدن واقضية العراق ومنها كربلاء، تجد فيها الحنين والشوق الى شوارع وازقة بلدهم وجيرانهم، حيث كانوا يشكلون 2.6% من مجموع العراق في عام 1947 عندما كان نفوس العراق اربعة ملايين و816 الفا نسمة.
اغلب اليهود العراقين يتفقون بان اجمل ايام حياتهم بعد”الفرهود” وصول الزعيم عبدالكريم قاسم للسلطة في 14 تموز 1958 فرفع القيود عن المتبقين منهم، فتحسنت وضيعتهم وعادت الامور العامة، ولكن انقلاب 8 شباط 1963 الدموي اعاد الاضطهاد والقيود عليهم وجرى تغير اسم طائفتهم الى”الطائفة الموسوية” وفي عام 1969 تم اعدام عددا من التجار معظمهم من اليهود بتهمة ملفقة في التجسس لاسرائيل مما ادى الى تسارع حملة الهجرة في البقية والتي شهدت ذروتها في بداية السبعينات وخاصة عن طريق شمال العراق ومنها الى ايران بظروف قاسية.
تميز المئات من اليهود العراقين بمختلف الاختصاصات والمهن، حيث كانت لهم بصمة ظاهرة في تاريخ العراق الحديث ومنهم الاديب والمحامي انور شاؤل والصحفي اللامع سليم خضوري البصون والبروفيسور شموموئيل موريه ومناحيم دانيال، القاضي داود سمرة والقاضي نعيم زلخة والعالم روبين بطاط، المحسن الكبير اليعازر خضوري، شمعون بلاص ومنير بصري الذي يعتبر من ابرز المؤرخين العراقيين،السر ديفد عزرا، سليمة مراد،كما كان لنعيم زلخة مجلس كان يزخر برجال السياسة والتجارة، داود الكويتي، الدكتور جاك عبود الذي كان يتفرغ ثلاثة ايام في الاسبوع لمعالجة الفقراء دون مقابل وعندما اسقطت عنه الجنسية العراقية عام 1972 لانه يهودي، سافر الى بريطانيا وكان يردد حتى الرمق الاخير” انا عراقي حتى اموت”
دليل او نموذج من حب وعشق اليهود الى وطنهم العراق،عندما استلمت الناشطة العراقية اليهودية نيران البصون هدية من طبيب عائد من العراق الى بريطانيا، كانت عبارة عن صندوق صغير يحتوي على حفنة من تراب الوطن، وعندما استلمته هذه السيدة لم تستطيع ان تحبس دموعها، بل انهارت ولم يستطيع لسانها ان يقوي عن كلام، اما اليهودية العراقية”لندا منوحن” قالت”غادرت العراق منذ اكثر من 40 عاما، لكن العراق لم يغادرني ابدا”
عندما وجه احد اتباع السيد مقتدى الصدر”رئيس كتلة سائرون البرلمانية” حول تاييده لعودة يهود العراق الى بلادهم، فاجاب قائلا” اذا كان ولاؤهم للعراق فاهلا بهم” وباعتقادنا لا احد اكثر ولاء الى العراق من اليهود العراقيين، ولا يطمحون سوى كلمة اعتذار من الدولة العراقية على تهجيرهم القسري وماساتهم لانهم يهود! ليكحلوا اعينهم بزيارة وطنهم.
بقلم الكاتب
متي كلو

‫شاهد أيضًا‬

مهرجان مردوثو السنوي الثاني يختتم اعماله بتكريم المشاركين

مهرجان “مردوثو” الذي تقيمه الجمعية الثقافية السريانية في سوريا, انهى اعماله في…